المقريزي
583
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
السّلطان وطلب منه مال كبير ، فلم يسمح بشيء ، فأخرج من الغد وأوقف بين يدي السّلطان ، وقد أحضر معه قناصلة الفرنج ، فالتزموا عنه بمال غير معيّن ، ثم أعيد إلى منزله وحمل إليه ملابس من الثّياب السّلطانية ورتّب له ما يليق به ، فتقرّر عليه مائتا ألف دينار وأن يحمل إذا عاد إلى مملكته بقبرس عشرين ألف دينار في كلّ سنة ، ثم أفرج عنه في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثماني مائة وخلع عليه ، وأركب فرسا بقماش ذهب ، ونزل من سجنه بالقلعة إلى القاهرة في موكب جليل إلى دار أعدّت له ، وصار يركب إلى حيث شاء من كنائس النّصارى ودياراتهم . وله جار يقوم به وبمن معه ، ثم خلع عليه في خامس جمادى الآخرة خلعة السّفر ، فتجهّز وسار في سادس عشره من القاهرة وركب النّيل إلى الإسكندرية ومضى منها في بحر الملح إلى قبرس واستولى على مملكته إلى أن بلغنا أنه هلك في سنة خمس وثلاثين وثماني مائة بعد ما حمل معظم ما وعد به . وأهل قبرس من بقايا الرّوم وإنما نسبوا إلى الفرنج لظهورهم على سائر أمم النّصرانية ، وكان عليهم فريضة يؤدّونها لصاحب مصر منذ فتحت قبرس على يد معاوية بن أبي سفيان ، ثم غلب على رودس أهل جنوة وحاربوا أهل قبرس ، ثم صالحوهم . وجبينوس هذا من أولاد متملّك القدس وبلاد الأرمن بسيس وما معها ، فلما استردّ المسلمون بيت المقدس من الفرنج بقيت سيس بيد صاحب قبرس وينوب عنه بها تكفور ويحمل إليه الخراج إلى نحو سنة سبع مائة من سني الهجرة . ضرب الدّرهم باسمه ، وجعل عليه صورة بغلة ، فإنه وسلفه ملوك الأرمن إنما يركبون البغال وصار مع هذا يحمل إلى صاحب قبرس بعض ما كان يحمل إليه ، وكذلك البلاد التي تحت جبل بغراص بالقرب من أنطاكية إلى قريب من بلاد قرمان مثل إسكندرونه ، وعين التّبنة ، وإياس ومصيّصة ، وأدنه ، والكرك إلى أن ملكها المسلمون في أيام الأشرفية